محمد بن طلحة الشافعي

17

الدر المنتظم في السر الأعظم

يسأل من ربّه ما يمنحه ما يعرف به الاسم الأعظم والنور الأقدم ، وتكرّر لذلك تقلّب وجهه في السماء ، ورفع يديه إلى اللّه بأنواع الدعاء ، فبينما هو في بعض خلواته مشتغلا بصلاته تحت جلباب حندس الظلماء ، إذ كشف له عن لوح شاهده ، بحيث لا يتطرّق إليه شبه الشكّ ولا ريب الاغتواء ، فأعرض عنه مشتغلا بذكر ربّه في مقام قربه ، فوكزته يد مع صوت يقول له : خذ ما تنتفع به ، فأخذه وأثبت ما فيه ، فوجده دائرة وخطوطا واسما وحروفا ، فأحاط علما بصورها دون معانيها ، ولم يعلم شيئا من الأسرار المودعة فيها ، فلمّا شمّر الليل ذيل ظلمته ، وتنفّس الصبح لإسفار أنواع غربته ، وقضى الواجب عليه من أداء الوقت وفضيلته ، غشيته غشية صافحته بها سنّة ، فرأى أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب كرّم اللّه وجهه ، فسلّم عليه فقال له : أين اللوح الذي أوتيته ؟ فأخذه رضي اللّه عنه فاستعظمه ، ثمّ قال له في معناه أشياء لم يفهمها ، ولا عرف منها سوى كلمة واحدة يأتي ذكرها . فقال : يا أمير المؤمنين ما فهمت ما قلت لي ؟ فقال له : فلان - وسمّاني بكنيتي ولقبي - يشرحه لك إن شاء اللّه تعالى . فلمّا علا النهار وارتفع ، حضر عندي وعرّفني عين الواقعة بصورتها وتلا على آيات سورتها ، وخطّ صورة الدائرة وما عليها خارجا وداخلا عنها وفيها ، فوقفت عليها وتأمّلتها ، فرأيتها من عجائب الأقدار وضعا ، وغرائب الأسرار أصلا وفرعا ، ونظرت في حروفها المترتّبة وترا وشفعا ، وأسمائها المركّبة تفرقة وجمعا ، فعلمت أنّه لا يمكن الوقوف على كنه مقصدها ولا الوصول إلى حلّ عقدها ، ولا يحصي أوطار مطالبها ، ولا أسرار مآربها ، إلّا تأييد ربّاني وتوفيق إلهي . فرفعت يديّ متضرّعا إلى عالم السرّ والنجوى ، وسألت أن يفتح لي نتاج مكنونها ، ويتوّجني بتاج مصونها ، ويوضّح لي منهاج مخزونها ، ويشرح